ابن عبد الرحمن الملطي
48
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
فأما تفسير قوله جل اسمه لموسى عليه السلام ( لَنْ تَرانِي ) ، قال موسى لما سمع كلام ربه بأرض القدس اشتاق إلى رؤيته فقال : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) فقال الله عز وجل : ( لن تراني عنى في الدنيا ، فأما في الجنة فإن موسى وغيره يرونه في الجنة معاينة . وأما تفسيره قوله لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) فقال : رآه في الجنة ليلة أسرى به ، تصديق ذلك قوله : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) [ 114 ] فذلك قوله : ( ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ) [ 115 ] يقول ما مال بصر محمد عن رؤية ربه حين رآه نظر إليه في جنة المأوى وما ظلم كما قال موسى : ( تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 116 ] فقد كان إبراهيم ، ونوح ، وآدم صلى الله عليه وسلم وغيرهم مؤمنين قبل موسى عليه السلام . ولكن قول موسى ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) يعنى أنا أول المصدقين بأنك لن ترى في الدنيا ، وكما قال في سحرة فرعون : ( أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 117 ] يعنى أول المصدّقين من أهل مصر من بني إسرائيل بما جاء به موسى عليه السلام من التوحيد ، وكما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) [ 118 ] يعنى من أهل مكة خاصة وقد كان قبله مسلمون في الأمم الخالية فهذا تفسيرهما في المواطن . وأما قوله جل ثناؤه : ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) [ 119 ] وقال في آية أخرى : ( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا ) [ 120 ] فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا وليس بمنتقض ، ولكنهما في تفسير الخواص في المواطن المختلفة . فأما تفسير ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) كما كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب ، وأما في الآخرة فإنه يقف البار والفاجر على ربه يكلمونه بغير حجاب وذلك يوم القيامة كما قال عز وجل في كتابه ، يكلمهم ويسأل عن أعمالهم عند الحساب ، فذلك قوله جل ذكره : ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 121 ] ، فإذا صاروا إلى الجنة أهل الجنة ، وأهل النار فإنه يكلم أهل